أحمد بن سهل البلخي
55
مصالح الأبدان والأنفس
طاعته ، غير أن هؤلاء الأتراك كانت لهم أطماع مختلفة ، وآل الأمر إلى أن يتولى بغداد مملوك تركي يطلق عليه أمير الأمراء ، له النفوذ التام والسلطة المطلقة ، وليس للخلافة من الأمر شيء ؛ إذ ضعف العنصر العربي ، ولم تبق له عصبية يستند إليها ، وكذلك ضعف الموالي الخراسانيون لضعف ثقة الخلفاء بهم ، واختل التوازن بين عناصر الدولة ، وانفرد غلمان الأتراك بالملك ! ومما أسهم في ضعف الدولة - إضافة إلى ما سلف - تحرّك الشيعة في تنظيم دعوة خاصة بهم تمثلت في الاضطرابات التي أحدثها القرامطة الذين زلزلوا أركان الدولة ، وفعلوا بالإسلام ما لا يخطر ببال مسلم ، ثم قام على إثرهم الفاطميون بإفريقية ، ثم استولى بنو بويه على بغداد في منتصف القرن الرابع وكانوا شيعة أيضا . ومما زاد في إضعاف الدولة - أيضا - قلة الثقة بالخلفاء ؛ إذ لم تكن لعهودهم قيمة إذا خالفت مصالحهم ، ولا سيما العهود التي تعقد لتولي الخلافة ، فهي من الأشياء التي يسهل حلها « 1 » . وكل ذلك أدّى إلى وهن بدأ يدب شيئا فشيئا في جسم الدولة العباسية في تلك الفترة ، إضافة إلى انهماك كثير من الخلفاء في الشهوات والملذات والإسراف ؛ فأهملوا شؤون الدولة ومصالح العباد ، وتركوا الجهاد والدعوة إلى الحق « 2 » . وعلى المستوى العلمي فإن التسامح الذي دعا إليه الإسلام ، والانفتاح على العناصر الأجنبية ، وانحسار التعصب القبلي في الدولة العباسية ، أدى إلى آثار تاريخيّة مهمّة جعلت من بغداد قبلة العلم والمعرفة في العالم ، وملتقى الحضارات الإنسانية آنذاك .
--> ( 1 ) انظر الخضري ، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية : الدولة العباسية 484 - 506 . ( 2 ) انظر الفاخوري ، تحفة الأنام مختصر تاريخ الإسلام 146 .